ابن أبي الحديد
6
شرح نهج البلاغة
ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال : إنه تعالى لم يقل : " فقلنا اهبطوا " بالفاء ، بل قال : ( وقلنا اهبطوا ) بالواو ، والواو لا تقتضي الترتيب ، ولو كان عوضها فاء لكانت صريحة في أن الإهباط كان عقيب الزلة ، فأما الواو فلا تدل على ذلك ، بل يجوز أن تكون التوبة قبل الإهباط ، ويخبر عن الإهباط بالواو قبل أن يخبر عن التوبة . قوله عليه السلام : " وليقيم الحجة على عباده " ، أي إذا كان أبوهم أخرج من الجنة بخطيئة واحدة فأخلق بها ألا يدخلها ذو خطايا جمة ، وهذا يؤكد مذهب أصحابنا في الوعيد . ثم أخبر عليه السلام أن البارئ سبحانه ما أخلى عباده بعد قبض آدم وتوفيه مما يؤكد عليهم حجج الربوبية ، بل أرسل إليهم الرسل قرنا فقرنا ، بفتح القاف ، وهو أهل الزمان الواحد ، قال الشاعر : إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب ( 1 ) وتعاهدهم بالحجج ، أي جدد العهد عندهم بها ، ويروى " بل تعهدهم " بالتشديد ، والتعهد : التحفظ بالشئ ، تعهدت فلانا وتعهدت ضيعتي ، وهو أفصح من " تعاهدت " لان التفاعل إنما يكون من شيئين ، وتقول : فلان يتعهده صرع . قوله : " وبلغ المقطع عذره ونذره " ، مقطع الشئ حيث ينقطع ، ولا يبقى خلفه شئ منه ، أي لم يزل يبعث الأنبياء واحدا بعد واحد ، حتى بعث محمدا صلى الله عليه وآله ، فتمت به حجته على الخلق أجمعين ، وبلغ الامر مقطعه ، أي لم يبق بعده رسول ينتظر ،
--> ( 1 ) البيت في اللسان 17 : 212 .